محمد بن جرير الطبري
127
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ يقول : قومهم كذبوا رسلهم وردوا عليهم ما جاءوا به من البينات وردوا عليهم بأفواههم ، وقالوا : إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ قال : ردوا على الرسل ما جاءت به . وكأن مجاهد ا وجه قوله : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ إلى معنى : ردوا أيادي الله التي لو قبلوها كانت أيادي ونعما عندهم فلم يقبلوها . ووجه قوله : فِي أَفْواهِهِمْ إلى معنى : بأفواههم ، يعني : بألسنتهم التي في أفواههم . وقد ذكر عن بعض العرب سماعا : أدخلك الله بالجنة ، يعنون في الجنة ، وينشد هذا البيت : وأرغب فيها عن لقيط ورهطه * ولكنني عن سنبس لست أرغب يريد : وأرغب فيها : يعنى أرغب بها عن لقيط ولا أرغب بها عن قبيلتي . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أنهم كانوا يضعون أيديهم على أفواه الرسل ردا عليهم قولهم ، وتكذيبا لهم . وقال آخرون : هذا مثل ، وإنما أريد أنهم كفوا عما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به ولم يسلموا ، وقال : يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب فلم يجب : رديده في فمه . وذكر بعضهم أن العرب تقول : كلمت فلانا في حاجة فرد يده في فيه : إذا سكت عنه فلم يجب . وهذا أيضا قول لا وجه له لأن الله عز وجل ذكره قد أخبر عنهم أنهم قالوا : إنا كفرنا بما أرسلتم به . فقد أجابوا بالتكذيب . وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود أنهم ردوا أيديهم في أفواههم ، فعضوا عليها غيظا على الرسل ، كما وصف الله عز وجل به إخوانهم من المنافقين ، فقال : وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم من رد اليد إلى الفم . وقوله : وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ يقول عز وجل : وقالوا لرسلهم : إنا كفرنا بما أرسلكم به من أرسلكم من الدعاء إلى ترك عبادة الأوثان والأصنام وإنا لفي شك من حقيقة ما تدعوننا إليه من توحيد الله . مُرِيبٍ يقول : يريبنا ذلك الشك : أي يوجب لنا الريبة والتهمة فيه ، يقال منه : أراب الرجل : إذا أتى بريبة ، يريب إرابة . القول في تأويل قوله تعالى : قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يقول تعالى ذكره : قالت رسل الأمم التي أتتها رسلها : أفي الله أنه المستحق عليكم أيها الناس الألوهة والعبادة دون جميع خلقه ، شك ؟ وقوله : فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يقول : خالق السماوات والأرض . يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ يقول : يدعوكم إلى توحيده وطاعته . لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ يقول : فيستر عليكم بعض ذنوبكم بالعفو عنها ، فلا يعاقبكم عليها . وَيُؤَخِّرَكُمْ يقول : وينسئ في آجالكم ، فلا يعاقبكم في العاجل فيهلككم ، ولكن يؤخركم إلى الوقت الذي كتب في أم الكتاب أنه يقبضكم فيه ، وهو الأجل الذي سمى لكم . فقالت الأمم لهم : إِنْ أَنْتُمْ أيها القوم إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا في الصورة والهيئة ، ولستم ملائكة ، وإنما تريدون بقولكم هذا الذي تقولون لنا أَنْ تَصُدُّونا